السيد محمد الصدر
22
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وحينئذٍ نقول : إنَّ في قوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ تجري الأُطروحتان أيضاً ، فإمّا أن يُراد به ظرف الدنيا ، أو يُراد به ظرف الآخرة . ولنشر هنا إلى نزرٍ ممّا يرجع إلى قوله تعالى : لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ؛ فقد تقدّم عدم دلالته على العذاب الشديد وهو ليس من قبيل قوله تعالى : كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ « 1 » ونحو ذلك . وحينئذٍ يمكن أن نضع ذلك في سياق أُطروحة سابقة ، بأن نقول : إنَّ المراد من الوجوه العاملة الناصبة هي العابدة في الدنيا عبادة باطلةً غير مخلصة ، كما عليه بعض التفسيرات ، فقوله تعالى : تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ إشارةٌ إلى مستوى من العذاب وإلى مستوى من الناس لا مطلقاً . ولنعطف الكلام إلى ما حكاه السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) حول تفسير سبب ترك العطف في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ، أي : لماذا قال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ولم يقل : ( ووجوه يومئذٍ ناعمةٌ ) عطفاً على قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ؟ قال في « الميزان » قيل : ولم يعطف على قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ إشارةً إلى كمال البينونة بين حالي الفريقين « 2 » . والغرض : أنَّ بين الفريقين كمال الافتراق والبينونة ؛ إذ لو كان هناك تعاطفٌ ( أي : حرف عطف ) لكان يُوحي بشيءٍ من التقارب ، مع أنَّه لا تقارب مطلقاً .
--> ( 1 ) سورة الدخان ، الآيتان : 45 - 46 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن 274 : 20 ، تفسير سورة الغاشية .